كتابات الشهيد في جريدة الوطن

مجتمع الدمج أو »الواحدة ونص«

كتب:فهد الأحمد

عندما يصاب أي من البشر بمرض اليأس، تتحول حياته الى جحيم لا يطاق، ويعيش في احلام مظلمة، وخيالات لا وجود لها، فيبدو وكأنه التائه في صحراء شاسعة، يبحث عن قطرة ماء ليروي ظمأه.. فلا يجد سوى سراب يتبعه، ويجري خلفه لاهثا الى الابد!..
اقول ذلك، وكلي خشية من ان يكون مرض اليأس الخبيث، قد اصاب بعض افراد المجتمع الكويتي، راجيا ان اكون مخطئا بظنوني. لكن ما نقرأه ونسمعه ونشاهده يوميا من تصرفات وسلوكيات، يؤكد ويؤيد ظني، وقولي.. وما اخشاه!..
فالام في البيت، والتلميذ في المدرسة، والطالب في الجامعة، والموظف في العمل، والمسؤول في مركزه.. الموظف الصغير، والموظف الكبير.. ورجل الشارع.. الكل له شكوى من الفوضى العارمة، والتسيب الفظيع.
الفوضى في المنزل (المجتمع الصغير)، وفي الشارع، ودوائر العمل (المجتمع الكبير).. فالموظف الصغير يشكو من استغلال كبار موظفي الدولة لمراكزهم، ولا يكاد الحديث في التجمعات والديوانيات واللقاءات، يخلو من مر الشكوى حول مشاكل الحياة المعيشية، والفوضى، والتسيب، والرشاوى، والعمولات، والوساطات والمحسوبيات، والتي لا تكاد تخلو منابر الديموقراطية منها.. سواء في الصحافة أو مجلس الأمة! ويشكو الكل كذلك من المشاكل الامنية، والسياسية، وتفكك المجتمع، وظهور تنظيمات بايدولوجيات مختلفة تتشابك فيما بينها بالمهاترات الصحافية. اضافة الى امراض المجتمع الاخرى، كالطلاق، والشائعات، والاحتيال، والجنس الثالث، والمخدرات. وغيرها..!، والتي اصابت جزءا من المجتمع، وافقدته الثقة بأفراده وقيمه الاجتماعية الراسخة.
وعلى الرغم من الشكوى في كل مكان، الا ان احدا لا يتكلم الا بصوت منخفض، مليء بالآهات والحسرة. وعلى طريقة الحش الذي نعرفه!.. وكأن الناس مجرد متفرجين على مباراة لكرة القدم، فقد الحكم المقدرة في السيطرة عليها!..
وفي الاسبوع الماضي.. وعندما طالب احد النواب باحالة الحكومة الى النيابة، وكتبت احدى الصحف بعناوين ضخمة، مطالبة احالة المجتمع الى امن الدولة.. فرح اليائسون، واللاهثون وراء السراب!
فقد ظنوا بأن الحكومة ستحال الى النيابة، وليس تقرير ديوان المحاسبة.. وان المجتمع الكويتي كله، هو المقصود في الخبر الثاني وليس جريدة المجتمع!..
كان هؤلاء (اليائسون اللاهثون)! يعتقدون ان احالة الحكومة للنيابة لا بد ان تجر معها غالبية اعضاء مجلس الأمة.. وان النيابة العامة ستكشف كثيرا من التجاوزات عند بعض الوزراء، وستفضح تكاسل بعضهم، واستغلالهم لمراكزهم، وعدم جديتهم في تحمل المسؤولية، كما ستفضح كثيرا من نواب المجلس لعدم التزامهم بالمبادئ والبرامج التي طرحوها اثناء حملاتهم الانتخابية.. ولأنهم تهربوا من وعودهم التي يعطونها للناخبين، واستغلال الحصانة البرلمانية لتحقيق مكاسب شخصية، وتخليهم عن واجباتهم.
كان هؤلاء يعتقدون بأن احالة المجتمع الى النيابة العامة سيكشف كثيرا من الامور الزائفة وبالذات شعار »مجتمع الاسرة الواحدة« بطريقة ستوضح كل شيء على حقيقته، ابتداء من الطائفية البغيضة ـ ومرورا بالطبقية العائليةـ وانتهاء بالفوارق بين البيسري والاصيل، والغني والفقير، والقبلية وفروعها، وفخذ صوفيا لورين، وبروك شيلدز وام المرادم!. وكذلك امتيازات الكويتي درجة اولى، عن الدرجة الثانية، عن »البدون«.
اضافة الى اكتشاف سر اولئك الذين ينامون على سرائر الذهب المرصعة بالماس.. ويبذرون الملايين على شواطئ ومنتزهات وطاولات القمار في اوروبا، وفي احضان بنات شوارعها.. بنفس الوقت الذي لا يجد بعض افراد مجتمعنا لقمة العيش الكريمة.. المغموسة بالعرق!.
واعتقد الواهمون كذلك، بأن النائب العام سيحكم بدمج المجتمع بجميع فئاته، تماما كما فعل اتحاد كرة القدم بدوري الدمج!. حيث ألغى الدرجات في مسابقاته، ودمج الاولى مع الثانية بدوري واحد، فاطاح بالفوارق بين اعضائه، وتساوت الاندية في الحقوق والواجبات.. فزاد العطاء والجهد والاخلاص، حتى تطورت الكرة الكويتية ووصلت لنهائيات كأس العالم. وشط الخيال اكثر واكثر عندما تصوروا ان مجتمعنا سيصبح »مجتمع الدمج« وليس »مجتمع الاسرة الواحدة«!.
اما المتفائلون من اللاهثين وراء السراب، فيعتقدون بأن النائب العام، سيمنح نصف جنسية لفئة »البدون«. ونصف الحقوق لصاحب الجنسية الثانية، وسوف يكون شعارنا حينذاك بدلا من مجتمع الاسرة الواحدة.. مجتمع »الواحدة ونص« (لا سمح الله) وعلى غرار »الواحدة ونص« يمكن علاج امراض مجتمعنا!. هكذا يعتقدون.. اما انا وبعض مرضى اليأس الآخرين فسوف نظل نلهث وراء السراب، حتى نموت عطشا.. أو نشرب من دمنا ودموعنا، ليس حبا في الحياة، وانما لاجل ما تبقى من طيبة الكويت، والكثير من اهلها وقادتها.


تاريخ النشر: الخميس 27/12/2007